الذكرى السابعة

بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على خير خلقه أجمعين
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
.
إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء، في مثل يوم الجمعة الماضية (19/6/1433) توفي آية الله الشيخ حسين الخليفة قبل سبع سنوات.
.
لي تحفة جميلة من الذكريات من وقته قدس سره، أذكر إحداها عندما كنت في التاسعة عشر من عمري تقريبا، إذ أشكل علي حكم الحقوق الفكرية في الشريعة، و كان يهمني حكم نسخ البرامج الحاسوبية، فعزمت ذات يوم أن أزور الشيخ في بيته فأستفتيه، فكان لذلك لزاما علي الإباكار إلى منزله بعد طلوع الشمس مباشرة و قبل أن تضحى. كان حافلا بجموع المؤمنين الذي تجمهروا في فنائه، و الذي كان بمساحة أظنها في حدود السبعة أمتار مربعة. جلست مليا أتحين الفرصة المناسبة، و سماحته يلاطف جلساءه؛ حتى تشجعت و أظن ذلك بعد أن سألني هو “هل من حاجة يا بني؟” ، دنوت منه و صرت أسأله على استحياء من نوع سؤالي نسبة للحاضرين، كان حينذاك قد ثقل سمعه، فطلب مني رفع صوتي ، فلم يسمعني، فطلب ثانية، فكررت سؤالي للمرة الثالثة، و لكن لم يسمعني؛ عندها طلب مني الانتظار …. جلست غير بعيد حتى انفض الجمع، فأدخلني مجلس بيته، فأعدت عليه السؤال فسمعني هذه المرة و أفتاني، بعدها قال: سامحني يا بني فقد أثقلت عليك!!!

أتصور وجهي وقد اصفر و اتسعت حدقتاي، فأنا ابن العشرين و هو من قد ناهز عمره المئة عام و يطلبني الصفح و قد وجب علي الشكر ؟!!!!

رحمك الله أيها الوالد الذي كان وترا و رحل بلا خليفة.

التصنيفات:وفاء الوسوم:

كبوة فارس

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على عباده الذين اصطفى
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
.
دخلت المسجد و صرت أتصفح وجوه المصلين و أنا أتقدم الصفوف حتى لاح لي وجهه ففرحت و عجلت إلى مجاورته إذ وجدت المكان عن يمينه ينتظرني. شرعت في تحية المسجد و شعرت بأن قلبي متجمد من أمد بعيد، و بدفئه بدأ يذوب ذلك الجليد، بدأت الحياة تسري في جسدي، و امتلأ وجهي نضارة، و انساب الهواء في رئتاي بسهولة. لاح في ذاكرتي إذ كنت صغيرا أصحبه للصلاة ، و ذات مساء حضرنا بعد الصلاة مجلس عزاء على بعض قرابة الرسول صلى الله عليه و آله، فوجمت حزنا على ماجرى، فظن أن بي مكروه؛ ما أكثر ما ردد علي حينها “ما بك” ؛ “هل تريد شيئا؟” و أنا مطبق صمتي … تذكرت إذ صرت مخولا لقيادة السيارة و أنا أسرّع خطاي إلى السيارة أقربها له خارجان من المسجد.
.

ما أنفت من خدمته؛ لكن الليلة علمت أنه كان سر سعادتي ؛ الآن عادت الألوان لحياتي! فكم تساءلت عن سر هذا الشحوب: أنافرة نفسي من المبالغة في تزيين المساجد؟ أم كمدة على إمام جماعة رحل و لا خليفة له في مواساته الفقراء و مشابهتهم؟

.

و لكن .. وا أسفاه … كان في صلاته كسارية كلما حلمت عواتي الرياح تحريكها أبت السارية إلا ثباتا، و في جلسته بين السجدتين يحاذر الجلوس على قدمه اليسرى معتمدا على ركبتيه محني الظهر، وفي سلامه من الصلاة جلس متربعا …. ما عهدته قط جلس بين العشاءين، و الليلة اكتفى بالتسبيح، يدير مسبحته؛ مصوبا نظره إليها،  و كأنه يبثها حزنه في فقد عزيزته النافلة!

.

رفعت يدي للسماء و أنا دمعة “اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت …. اشف والدي”

المعقل

بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على عباده الذين اصطفى؛

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

هذه محاولة جديدة لقصة قصيرة من وحي الخيال، أرجو أن تحوز رضاكم.

___________________________________________

.

 كنت أطوف في باحاتها الخلابة مع مجموعة من السائحين، كنا كثيرين و من بلدان شتى و من جميع الفئات العمرية و التعليمية؛ نستمع لشرح المرشد السياحي ، و لم أفتأ أسمع ال”واو” و ال” آه” و غيرهما تعبيرا عن جمال التصاميم الأخاذة؛ إنها قلعة “المعقل”الأثرية الضاربة بعروقها في عمق التأريخ و التي أخذت الفنون على جدرانها بتلابيب قلبي حتى مل زملائي  تنبيهي لحركتهم و انتقالهم من زاوية لأخرى و أنا غارق في تأملاتي؛ رسومات غاية في البراعة لأنواع شتى من الحيوانات و الزهور الجميلة و الشخوص النبيلة و الكواكب و النجوم؛ذات الألوان الغضة و كأنها رسمت اليوم؛ كذلك النحوتات في الجدر، و المنحوتات عليها و التي فاقت حد المألوف دقة و نضارة ،و ليست التماثيل بأقل شأنا من سابقيها!

.
كان من بيننا مهتمون بالفنون الجميلة الذين أحضروا عتادهم و آلاتهم الفائقة الدقة في التصوير و أخذوا لقطات عدُّوها فريدة لرسومات جدارية و فسيفساء و موزاييك و أوانٍ زجاجية معشقة ليتدارسوها و يعيدوا فك شفراتها إذا عادوا إلى مراكزهم الفنية، و منهم من لم يفتر عن كتابة الملاحظات و الأفكار لأعماله المقبلة أو الحالية؛ مضافا للنقاشات التي كانت تدور بينهم حول هذه الفنون، والتي استمتعت بإصغائي إلى أحدها  حول ألوان الرسومات و هل هي أنكوستا ، أم تامبير أم نوع آخر طوره فنانو المعقل!

.
قال القائد وقد وقفنا أمام أحد أعمدة شرفها المطلة على البحر : الفي عام أو يزيدون و لم تتأثر صخور هذه القلعة برطوبة البحر المرتفعة حولها، و لا عوامل التعرية المتتالية!!!

.
كنت أحدث نفسي و نحن نسير في إحدى قاعاتها بأن مبدعها لابد و أنه وظف كثيرا من علماء عصره في التخطيط قبل البناء، فما هذه الفتحات في قبة السقف إلا دليل من بين العديد من الأدلة على ذلك و على إنهم بلغوا من العلم مرتبة عظيمة، إذ يدخل ضوء الشمس في كل يوم من فتحة مختلفة عن سابقتها ، و كل الفتحات غطيت بزجاج مختلف الكثافة لتكون الإضاءة واحدة على مدار العام، و هذا الجو المعتدل كذلك!

.
حين بلغنا القاعة الرئيسة و التي فيها عرش الحاكم و كراسي ندمائه و التي كانت كلها من الأحجار المزخرفة بمنحوتات صور الفهود و الأسود خصوصا المقابض ؛ أشار قائدنا إلى مجموعة من الناس اتخذوا لهم زاوية فيها و قد نصبوا أجهزة مختلفة و حواسيب كثيرة؛ قال إنهم علماء من تخصصات مختلفة يحاولون سبر أسرار هذه القلعة و الصخور التي شيدتها، وبين بأن من بين اهتماماتهم محاولة إثبات أو نفي فرضية وضعها بعضهم بأن هذه الصخور هي في الحقيقة ليست طبيعية و إنما مصنعة تم التحكم في كمية المياه في تركيبتها و أضيفت لها مواد محسوبة بعناية فائقة جعلتها صامدة مدى هذه القرون.

.
فجأة شدت انتباهنا جلبة في الجزء المقابل لنا؛ كان شخص واقفا في مجموعة أظنها تفوق الخمسين شخصا من الجنسين و من مختلف الأعمار ؛ كان يشير إلى جدار بدا لي أنه و لسبب حكيم تركه المصمم دون أن يقوم بتنعيمه و زخرفته كما سابقيه و لاحقيه، و إنما اكتفى بتأطيره بأحجار مزخرفة مطلية بألوان زاهية تشرح نفس الثاكل؛ كما بدت صخور الجدار مصفوفة بعناية كبيرة و بتناغم بين نتوءاتها و ثقوبها، و إن استغربت وجود هذا الجدار في هذه القاعة لا غيرها. كان ذلك الرجل يصيح فيمن معه ” انظروا إلى هذا الجدار الكئيب!! ألا يدل بأن مصمم هذه القلعة لا يملك حكمة و لا براعة! ألا يدل بأن صمود هذه القلعة ضربة حظ!” و كانت مجموعته تهز رأسها للأعلى و الأسفل و وجوههم يدل عليها التعمق في التفكير.

أما أنا فأرجعت طرفي إلى حيث كنت و أصحابي و أنا أبتسم.

قال القائد مشيرا للرجل و من معه:” هؤلاء مجموعة من العلماء و المهتمين“.

 

اشتقت إليكم

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على عباده الذين اصطفى، السلام عليكم أعزائي و رحمة الله و بركاته

اشتقت للكتابة إليكم ، و رؤية حروفكم، أحببت البوح لكم بما سررت به سرورا شديدا لدرجة الاكتئاب!

بالأمس أنهيت تسجيل ابني في إحدى المدارس الخاصة التي أعجبت بها و رضيت منهجها الدولي طريقا يسلكه ولدي (محمد رضا) في درارسته الابتدائية. كم أنا مشتاق لبدء العام الدراسي الجديد مع ما يعنيه ذلك من تقدمي في العمر.

سروري الشديد جاء بعد هم غلف قلبي، إذ كرهت لابني الدراسة في المدرسة الحكومية المخصصة لحينا لضرر بليغ كنت أخشاه على أسرتي و نفسي ، و يصعب اختيار مدرسة حكومية أخرى إذ يفترض بك أن تكون من سكان الأحياء المعنية و المستهدفة لكل مدرسة، فأنت بحاجة إذن أن تسكن حقا أو “كذبا”، و في إحدى المدارس حاولت التورية إذ قلت لهم بأن طفلي يسكن مع جدة فطالبوني بصك إيجار ، و أنى لي بذلك!

في نفس الوقت كنت أدرس بعض الخيارات من المدارس الأهلية، و كانت إحداهن جيدة من معلوماتها على موقعها الالكتروني ، و بدى لي أنهم جادون و صارمون ،و قد أعجبت بذلك. كانت سياستهم تقتضي تعليم الأطفال من قبل معلمات طيلة سنوات الابتدائية متخذين مناهج أمريكية في تدريسهم، و زاد قناعتي بصرامتهن و جاديتهن عندما كلمتني إحدى المسؤولات لتجيب على استفسار أرسلته لهن عن عدم رؤيتي اسم المدرسة ضمن نظام “نور” المعتمد هذا العام في التسجيل من قبل وزارة التربية و التعليم. كنت مترددا حينها لفكرة استمرارية دراسة طفلي إلى الصف السادس على أيد نسائية، و هل سيمتلك مقومات الرجولة عند تخرجه أم إن ليونة النساء ستنسحب على شخصيته! ثم هل ستواجهه عقبات للتألقلم عند انتقاله إلى مدرسة أخرى بعدئذ؟

المدرسة التي قبل للتعلم فيها ذات تأريخ عريق في التعليم، و سياسة تعليمية راقية من الاهتمام بإخراج طلاب علم محبين للتعلم، تهتم بتكاملهم العقلي و النفسي.

المعلم الذي أجرى لابني مقابلة ما قبل القبول نصحني بالاجتهاد في تعليمه مباديء اللغة الانجليزية، فمع إنه يدرس حاليا في روضة راقية تهتم بتعليمهم أساسيات الانجليزية إلى جانب العربية و الأخلاقيات الدينية و العقدية، إلا إن ذلك بدا ليس كافيا ليخفي قلق المعلم من أن يواجه طفلي مصاعب التعلم؛ لذلك ؛ قمت هذه الليلة بتسجيلة في أحد المعاهد العالمية المختصة بتعليم الانجليزية من قبل متحدثيها الأصليين ، و التي تهتم بتعليم الأطفال أيضا.

هذا الطفل هو مشروع حياتي ، فلا تستغربوا أخوتي سلوكي!

التصنيفات:كوب قهوة

دمع كاوي

 

بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على عباده الذين اصطفى

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و بارك الله لكم ميلادي الحبيب المصفى صلى الله عليه و آله و حبيه و حبيبنا حفيده المولى الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه و على آبائه و أبنائه آلاف التحايا و الصلاة و السلام

هذه قصة كنت قد كتبتها منذ ما يقارب السنتين ، و نشترها  على شبكة هجر الثقافية و منتدى الأحساء الثقافي بعنوان “أهذا هو الحب؟” * وقد  نالت حظا جيدا من الاهتمام و النقاش حينذاك من لدن الأعضاء الكرام، و اليوم أعرضها بين أيديكم آملا رؤية آرائكم المثرية.

______________________________

وقف مستقبلا مجسما من الفلين كان قد صنعه في أيام زواجه الأولى، يحوي صورة له بلباس الزواج وصورتين لزوجته في أسبوع زواجهما الأول و قد فرغهم ليبقي على الصور دون المحسنات حولهم؛ كما قد وسط بطاقة الدعوة لزواجهما بين الصور و جعل خلفية لهم من الكتان الأحمر.

 تبسم ثم ملأ رئتيه هواء بشهيقه وقال: “يالهذا الغبار الذي علاك !!!” … شعر بعدها أن خطرا خرج من فيه، و قد يحل عليه بسببه وبال عظيم؛ التف بجسده مسرعا إلى حيث تجلس زوجته، وقد صوب بصره إلى عينيها، فرأى طوفانا من الدموع أغرقهما ؛ احمر وجهه والتهبت عيناه، و اتسعت حدقتاهما، و نتأت أوداجه و نزف جسده ما كان يحويه من ماء ، وخرّ على ركبتيه و كل قواه خائرة، نشف ريقه وجمدت شفتاه؛ استجمع قواه وأطلق صوتا خافتا متحشرجا بكل ما أوتي من قوة و هو يحاول ابتلاع ريقه عله يستطيع الكلام: “أوقفيها بحق رسول الله، …. لا طاقة لي على حرب من الله و رسوله”؛ استلقى إلى خلفه معتمدا في إسناد جسده على يديه اللتين وضعهما على الأرض و قد مدد ساقيه و هو يقول: ما بالك !! أتشكين في حبي؟!! إنما أردت: “ما أجملها من اثنتي عشرة سنة قضيتها إلى جانبك !!!”

_____________

*القصة على منتدى الأحساء الثقافي

و على شبكة هجر الثقافية

حسين مني و أنا من حسين

بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على عباده الذين اصطفى

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

من بعض ما نقله رواة التأريخ و السير يتمثل لي الناس يوم العاشر من المحرم إنهم إما في حزب الفضيلة المتمثل في الحسين عليه السلام و أهل بيته و أصحابه أو حزب الشيطان المتمثل في أنصار يزيد بن معاوية.

عندما أنظر داخل مكونات حزب الفضيلة أرى الكاملين و منهم من شهد له المعصوم (ع) بالعلم أو الفضيلة كحبيب بن مظاهر الذي كتب له الإمام الحسين عليه السلام “من الحسين بن علي إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر” وقال في تأبينه “للهِ دَرُّكَ ، لَقَدْ كُنْتَ فَاضِلاً ، تَخْتُم القرآنَ في لَيلْةٍ واحِدَة”، و السيدة زينب عليها السلام التي قال فيها الإمام السجاد عليهما السلام أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة”؛ إلا إن هذا العالم (حبيب بن مظاهر) حينما ينقل له سلام السيدة زينب عليها السلام نراه لطم على وجهه وحثا التراب على رأسه وقال: من أنا ومن أكون حتى تسلم عليَّ بنت أمير المؤمنين؛ و هذا يعطيني انطباعا عن المنزلة الرفيعة لهذا الصحابي الفقيه لدى أهل البيت عليهم السلام من جهة و المرتبة الرفيعة جدا للسيدة زينب عليها السلام فهذا رجل عالم فاضل و هو جدير بمعرفة المرتبة العلمية الرفيعة و الشأن الكبير لبنت أمير المؤمنين عليهما السلام.

و أرى أبناء الحسين عليهم السلام و هم الذين اعتادوا حياة الجاه و السؤدد و الكرم، و أراني في غنى عن التدليل عليه، فأي نسب أرفع منهم نسبا، و أي كرم يضاهي كرم الحسين و أهل بيته عليهم السلام و كرمه عم القاصي و الداني.

إذن، لأي شيء يضحي الحسين عليه السلام بهؤلاء العلماء؟! و يعرض نفسه و من معه لصنوف من الآلام الفظيعة و التي هي أقرب للخيال خصوصا الذي جرى عليه سلام الله عليه! و لأي شيء يعرض هؤلاء الكرماء الأعزاء للذل؟! حتى يقول الإمام الرضا عليه السلام “إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا ، وَ أَسْبَلَ دُمُوعَنَا ، وَ أَذَلَّ عَزِيزَنَا بِأَرْضِ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَ الْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ .فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ ” و هم الذين يصورهم الشاعر:

أيسوقها زجر بضرب متنوها *** والشمر يحدوهـا بسب أبيها

كان ذلك الهم كله ليدفع بكل بساطة لو أن رئيس حزب الفضيلة رضي بالنزول لبيعة يزيد ، إلا إنه يظهر بيانا شديد اللهجة “ألا إن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون و حجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام” و يجعل من طريق الرجوع عن هذا القرار مستحيلا بقوله “الموت أولى من ركوب العار والعار أولى من دخول النار” فيقرن الرجوع عن القرار بدخول النار، و هذا مبرر لتسليمه لما وقع عليه و أصحابه و أهل بيته من صنوف الظلم.

ذلك كان الحسين عليه السلام و ما يليق به من همة ، و حري بنا حين يؤذن المؤذن للصلاة أو غيرها من الفرائض أن نقول للشيطان و حزبه هيهات منا الذلة غير مستسلمين للذيذ حديث عابر، بل متخذين ” كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيننا نحدّثه ويحدثنا، فإذا حان وقت الصلاة فكأنه لا يعرفنا وكأننا لا نعرفه” خير نبراس.

التصنيفات:رأي

المغفلة – إحدى روائع أنطوان بافلوفتش تشيخوف

بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى الله على محمد و آله الطاهرين

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

رأيت أن أضيف هذا التصنيف ( مما أعجبني) لأشارككم بعض ما يلقى إعجابي مما أقرأ، أو أرى، أو أسمع.

و هنا يطيب لي أن أبدأ هذا التصنيف بهذه القصة الرائعة لأنطوان بافلوفتش تشيخوف بعنوان المغفلة.

_____________

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها

قلت لها: إجلسي يا يوليا…هيّا نتحاسب…

أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود

ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك…

حسناً..لقد اتفقنا على أن أدفع لك (ثلاثين روبلاً) في الشهر

قالت: أربعين

قلت: كلا..ثلاثين..هذا مسجل عندي…كنت دائما أدفع للمربيات (ثلاثين روبلاً)…

حسناً

لقد عملت لدينا شهرين

قالت: شهرين وخمسة أيام

قلت: شهرين بالضبط..

هكذا مسجل عندي..

إذن تستحقين (ستين روبلاً)..

نخصم منها تسعة أيام آحاد..

فأنت لم تعلّمي (كوليا) في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معهم فقط..

ثم ثلاثة أيام أعياد

تضرج وجه (يوليا فاسيليفنا)

وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن..

لم تنبس بكلمة

*********

واصلتُ…

نخصم ثلاثة أعياد

إذن المجموع (إثنا عشر روبلاً)..

وكان (كوليا) مريضاً أربعة أيام ولم تكن تدرس..

كنت تدرّسين لـ (فاريا) فقط..

وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء..

إذن إثنا عشر زائد سبعة.. تسعة عشر.. نخصم، الباقي ..هم.. (واحد وأربعون روبلاً).. مضبوط؟

إحمرّت عين (يوليا فاسيليفنا) اليسرى وامتلأت بالدمع، وارتعش ذقنها..

وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن…

لم تنبس بكلمة

*********

قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجاناً وطبقاً..

نخصم (روبلين)..

الفنجان أغلى من ذلك

فهو موروث، ولكن فليسامحك الله!!علينا العوض..

وبسبب تقصيرك تسلق (كوليا) الشجرة ومزق سترته..

نخصم عشرة..

وبسبب تقصيرك أيضا سرقتْ الخادمة من (فاريا) حذاء..

ومن واجبكِ أن ترعي كل شيء فأنتِ تتقاضين مرتباً..

وهكذا نخصم أيضا خمسة..

وفي 10 يناير أخذتِ مني (عشرة روبلات)

همست (يوليا فاسيليفنا): لم آخذ

قلت: ولكن ذلك مسجل عندي

قالت: حسناً، ليكن

واصلتُ: من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين..الباقي أربعة عشر

امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع..وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل..يا للفتاة المسكينة

قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرةً واحدةً.. أخذت من حرمكم (ثلاثة روبلات).. لم آخذ غيرها

قلت: حقا؟.. انظري

وانا لم أسجل ذلك!!

نخصم من الأربعة عشر ثلاثة

الباقي أحد عشر..

ها هي نقودك يا عزيزتي!!

ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي

ومددت لها (أحد عشر روبلاً)..

فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة..وهمست: شكراً

*********

انتفضتُ واقفاً واخذتُ أروح وأجئ في الغرفة واستولى عليّ الغضب

سألتها: شكراً على ماذا؟

قالت: على النقود

قلت: يا للشيطان

ولكني نهبتك..

سلبتك!..

لقد سرقت منك!..

فعلام تقولين شكراً؟

قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً

قلت: لم يعطوكِ؟!

أليس هذا غريبا!؟

لقد مزحتُ معك..

لقنتك درساً قاسياً..

سأعطيك نقودك.. (الثمانين روبلاً) كلها

ها هي في المظروف جهزتها لكِ!!

ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة الى هذه الدرجة؟

لماذا لا تحتجّين؟

لماذا تسكتين؟

هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الأنياب؟

هل يمكن ان تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟

ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: “يمكن”

سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، (الثمانين روبلاً) كلها..

فشكرتني بخجل وخرجت

تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ: ماأبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا