لقاء الوفاء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على عباده الذين اصطفى

في مساء يوم الجمعة الفائت السابع و العشرين من شهر فبراير 2015؛التقى جمع قدر بمائة و عشرين أو ينوفون من خريجي و طلاب جامعة الملك فهد للبترول و المعادن الإحسائيين و من دفعات مختلفة – قد يصل حبل بعضهم إلى ثمانينيات القرن المنصرم – إلى جانب بعض أساتذة الجامعة ، ليؤبنوا سبعة عشر أخا درسوا معهم ، ثم اختطفهم القدر المحتوم ، فأفجع الأحبة و أقرح القلوب و الجفون.

اختلفت أسباب وفاياتهم إلا إن حوادث الطريق فازت بالمعلى، ثم معاناة البقية مع المرض لفترات طويلة ، أو السكتات القلبية التي لم تري أخوانهم ما أملوه فيهم من بلوغ الشأو في قيادة المجتمعات إلى حيث نور المعرفة و زهرته و الرخاء، و لا أمهلتهم امتاع أنظارهم بما تسنموه من مناصب قيادية في منشآتهم أو درجاتهم العلمية.

كان شيخ المفقودين المهندس صالح بن علي الدريسي من دفعة 1981 وقد التهمه الطريق سنة 1432 هـ بعدما قدم للمجتمع الكثير عن طريق عضويته في جمعية البر الخيرية، ثم الدكتور سليمان بن حجي المسلمي من دفعة 1988 و الذي وافته المنية عام 1421 هـ ؛ و المهندس مهدي بن عبد الوهاب بو عامر – أبو الأيتام – من الدفعة  ذاتها و قد توفي في حادث مروري عام 1435 هـ، و الأستاذ أحمد بن حسن الصعيليك من ذات الدفعة الذي لم يرض المرض بفدية أقل من روحه ليريحه في عام 1416 هـ ، و المهندس محمد بن عبد المحسن العلي من دفعة 1990 و من ضحايا الطريق في عام 1429 هـ ، كانا منارا و مثالا يحتذى به في الجد لأجل غد أفضل لمن حولهم.

بينما كان عريسهم الأستاذ حسن بن أمين البقشي من دفعة 2009 و الذي ضن به الطريق على أحبته و أفجعهم بفقد شمعة إيمانية في عام 1436هـ، و أخوته طالب الهندسة علي بن واصل القطان من نفس الدفعة و قد توفي بنوبة قلبية عام 1433هـ، و طالب الماجستير المهندس عبد المحسن بن محمد البشر من دفعة 2002 الذي قتله الالتهاب الرئوي عام 1433 هـ ،  و الأستاذ علي بن توفيق الخرس من دفعة 2006 و الذي سبق البقشي في الرحيل بعام تقريبا بسكتة قلبية.

أما من كان ينبغي أن يكونوا من بين الكهول فالمهندس كاظم بن حسن الخليفة من دفعة 1991 و موته كان من فجائع الطريق سنة 1430 هـ، و المهندس مصطفى بن صادق بو عريش من دفعة 1992 و قد رحل بعد أن مضه الألم و المرض عام 1427 هـ، و المهندس حسين بن ياسين الغنام من دفعة 1994 و توفي بسكتة قلبية عام 1429 هـ، و المهندس السيد رائد السيد علي الحاجي من دفعة 1994 و قد توفي بعد أن بقي في غيبوبة عن أهله على أثر حادث مروري ، و الأستاذ أسعد بن علي الوصيبعي الذي ارتقى برج ” شركة ساب السعودية ” العاجي إلى جانب نشاطه المضطر و المنقطع النظير ثقافيا ،و موقع “دوروب” و مجلة “القافلة” له شاهدان ، كان من دفعة عام 1994 ، و قد أهلك أصحابه الحزن حين سالت روحه في حادث مروري عام 1434 هـ، و الأستاذ على بن حسين البن سعد و الذي كان من ضحايا السير في عام 1426 هـ، و المهندس حسين على النويصر المقتول في حادث مروري عام 1429 هـ، و الأستاذ يوسف بن جواد العامر الذي مات بعدما أنت نفسه من ثقل المرض في عام 1436 هـ، و كلهم من دفعة 1999.

كان من بين من حضروا “حفل الوفاء الأول” من سافر خصيصا إلى الإحساء من مناطق المملكة العربية السعودية فقط ليعيد عقد عهد الوفاء لمن سبقوهم في دروب الرحيل على أن يكملوا مسيرة الرقي للمجتمعات، و مد أيادي العون بما أوتوا من معارف و مهارات و قدرة إلى حيث الرقي و الازدهار. اجتمعوا و تذاكروا صنو أرواحهم بخطب قصيرة و قصائد و فلم قصير ذكروا فيها جميل خصال من خسروا، وتصابروا على الفقد بذكر حفيد المصطفى صلى الله عليه و آله ، و حفوا أرواح أعزائهم بالذكر الحكيم، و الدعاء الوفير بالمغفرة و السعة في القصور و الدور مما أعده الجليل لعباده المخلصين و مجاورة نبيه الكريم صلى الله عليه و آله.

قدم ثلاثة و عشرون رجلا منهم الخدمة لزملائهم خلال اللقاء و قد تماهت الأعمار و الدرجات بينهم، و انصهروا كسبيكة ذهب ؛هدفهم إخراج الحفل بما يليق بالمحتفى بهم و بالمحتفلين.

ولزرت قبركَ و الحبيب يزار

بسم الله الرحمن الرحيم، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين

أشعر باشتياق إلى والدي – رحمه الله – و حزن عليه  ، و رغبة في بكائه، أتذكر محاسن أخلاقه و جميل صفاته فيفيض دمعي ، كرمه الجم الذي قال لي أحدهم: ” لو اجتهدتم وسعكم ، ولو فعلمت أي شيء ما بلغتم كرمه” ، و أظنه صادقا، فشتان بين من بذل الكثير في ساعة الحاجة إيثارا ، و من يبذل النزر مما فاض عن حاجته.

أتذكر عقليته المتفتحة النابذة للخرافة، أتذكر نفسه العزيزة فلا يستغبي ذاته و لا يجبرها على قبول ما ينكر ، أتذكر حبه للمعرفة و اجتهاده في  تحصيلها و الحظ عليها إلى آخر عمره، أتذكر كيف تجد “الاختلاف لا يفسد في الود قضية” يتمثل حيا في شخصه، فهو لا يكتفي بالمحافظة على الود بل يعينك على ما عزمت عليه و إن خالف رأيك ، و ربما كان واجدا عليك ، وما إن تأتيه طالبا الصفح حتى تجد ابتسامته لك مجيبة حتى لتظن نفسك كنت واهما في كونه غاضب.

أتذكر حبه لإغاثة الناس و نفعهم، فكم أعزبا زوج، و كم محتاجا أغاث ، و ما زالت والدتي تذكر لي بعض الذين كان يصلهم بالإحسان من المحتاجين، قال لي مرة و كان الحديث عن قيمة إيجارات بعض عقاره و أنه أدنى من جيرانه، فقال متحدثا عن المستأجرين: هم أبناؤنا ، إن لم نراعهم فمن لهم و حالهم معلوم لدينا من غلاء المعيشة و تدني المرتبات؟!

أتذكر محافظته على صلاة الجماعة  وصلاة الليل و التذكير بهما و كأنه يذكر نفسه معتمدا على لب مستمعه ، أتذكر اجتهاده في خدمة أهل البيت و محبيهم، و البذل فيما يذكر بهم عليهم السلام، و مع ذلك كان يقول : ترى يقبلني الحسين خادما؟! ولا أنسى آخر وصاياه لي ، بأن أرثي الحسين عليه السلام و لو بشيء من النبطي!

مثل هذا الرجل العزيز ليس كثيرا أن أشد لقبره الرحال في كل حين ، و أقيم لأجله المأتم أذكر بخصاله و أقيم على ذكراه العويل حتى يتربى الأجيال على حبه و السير على نهجه لولا وجود محمد و آله أصول الكرم و الكرامة  ،

في ذكراه السنوية أرجو من الله التوفيق لزيارة نبيه و أهل بيته و وصيه و ابنه الحسين عليهم السلام هدية لروحه العزيزة.

رحم الله من قرأ لروحه الفاتحة مع الصلاة علي محمد و آله.

إلى متى البكاء على الحسين (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد و آله الطاهرين

لماذا البكاء على الإمام الحسين عليه السلام؟ و هل من ضرورة له في هذا الزمن؟

في مقال سابق ذكرت فيه ما ورد في الموسوعة البريطانية ( بريتانيكا) في أن البكاء كان سببا في تقويض الدولة الأموية. وهذا ادعاء قد يتطلب شيئا من البحث للنظر في مدى دقته! مع إن الشواهد ليست عزيزة مما يمكن إرجاع أسابه لحالة الحزن و البكاء، كثورة التوابين و المختار و زيد بن السجاد عليهما السلام ، و التي ربما استغلها بنو العباس لإرساء دولتهم و القضاء على الدولة التي أنهكتها الثورات.و لكن، لنتخطى هذا الأمر، و لنفترض بأن الأمر كان صحيحا ، و أن البكاء – على سلميته – كان له من الأمر ما أزال دولة فصارت أثرا بعد عين، و لننظر في إن كان من حاجة في هذا الزمن لهذا البكاء.

كما أرى، فقد أضحى الاهتمام بالشعائر الحسينية – ومنها البكاء على مصاب سيد الشهداء عليه السلام – ضرورة لضمان العلقة و التشبث بالمذهب الحق ، و عدم اضمحلال المباديء الحقة أو نسيانها ، و كذلك لضمان وصول هذه المباديء للأجيال القادمة التي ستكون في جهل مطبق بالحسين و آل الحسين عليهم السلام و بالتالي بمباديء الإسلام و تشريعاته لو ترك الأباء شعائرهم؛ بل المسلمون أجمع ستضعف العلاقة التي نراها بينهم تجاه دينهم و معتقداتهم، إذ الشعائر الحسينية تعمل كتوربينة لتحركهم الدائم للدفاع عن معتقداتهم و النظر فيها و في أحقيتها ، فلو “ترك القطا ليلا لغفى و نام.” فهذه طبيعتنا، نريد الراحة، و من يتعب نفسه بالبحث و التقصي عادة يعد متميزا، و لا دافع لكل الدين و أتباعه و فرقه لديمومة الحراك و النقاش كالبكاء على الإمام الحسين عليه السلام الذي يدفع إلى التساؤل أولا في سبب البكاء و الحاجة له، ليوصل لمزيد من الفكر و الذي عادة مايكون له مؤيدون و معارضون بدورهم يمنعون الماء من الركود.

هذا الحراك إن نشأ من منابع غير منطقية أو علمية حفتها العاطفة البائسة! و قضية أهرق الحسين عليه السلام لأجلها دمه و عياله و أنصاره ، و سُبي لأجلها ذريته و نساءه حري بأن تُدرس – كما هي – بمزيد من الاهتمام ، بتمحيص الأخبار و إبعاد ما أضيف لها من خرافات العاطفة لأسباب هي الأخرى بحاجة لدراسة لمعرفتها و قد يكون منها الاجتهاد لإنزال دمعة المستمع، و لعمري ليبكين من اطلع على فاجعة يوم عاشوراء إلا من تكابر، فما من حاجة لمحاولة جعل ما هو فظيع أكثر إيلاما، و كل المصائب تهون لذكرى مصيبة الحسين عليه السلام، فكم أتمنى لو يُتعامل مع الدور المعدة لتذاكر مصاب الحسين عليه السلام – و المسماة بالحسينيات – على إنها بيوت للبحث و الفكر و الأدب، يقدم فيها الخطباء خطبا يجتهدون فيها في تدقيق الروايات الصحيحة من الضغثة و تحقيقها، و يقدم فيها الباحثون و المفكرون رؤاهم ،و الأدباء نتاجهم الحسيني، بدلا عن الاقتصار فيها على الخطابة و التي هي أمر عظيم أيضا.